اقرأ في مجلة تلي سينما عدد يناير 2019

 

                 حالياً بالأسواق ...

                  اقرأ في مجلة (تلي سينما) عدد يناير 2019

                 مذكرات عبد الوهاب المجهولة

                  موسيقار الأجيال يكتب عن أيامه في السينما

 

 

 

مقتطفات من مذكرات مجهولة لمحمد عبد الوهاب فى السينما

 

كتب الموسيقار الراحل محمد عبد الوهاب مذكراته عدة مرات، وأشهرها هى الأوراق الخاصة، التى حققها الشاعر فاروق جويدة، وهى كما صدرت تبدو مختزلة للغاية، وأيضًا هناك الذكريات التى حكاها لسعد الدين وهبة، ونشرها بعنوان «النهر الخالد»، وسبقتهما مذكرات طويلة كتبها عبد الوهاب، ونشرتها مجلة «الكواكب» على مدار 23 حلقة عام 1954 بعد ثورة يوليو بعامين، يصب فيها جام غضبه على العهد الملكى، لدرجة أن آخر حلقتين كان عنوانهما على الترتيب: «اعتقلوا ألحانى الوطنية» و«هددنى فاروق بالنفى»، لكن هناك مذكرات مجهولة لم يذكرها أحد، ولم يشر إليها فى أى من الكتب والدراسات التى تناولت سيرة محمد عبد الوهاب، وهى مذكرات كتبها فى مجلة «الإثنين» عام 1938 بعنوان: «مذكراتى - لمطرب الملوك الأستاذ محمد عبد الوهاب».

فى هذه المذكرات يذكر عبد الوهاب حكايات سينمائية هامة وطريفة، لم يذكرها فى مذكراته التالية، بل نجده قد غيّر بعضًا من الأحداث فى أثناء إعادة كتابتها فى مذكراته التالية، ولنأخذ مثلًا ذكرياته عن فيلم «دموع الحب»، وهو ثانى أفلامه، إنتاج عام 1935، إخراج محمد كريم. فيكتب عبد الوهاب عن هذا الفيلم فى مذكراته عام 1938 ويقول: «كنا نصور فيلم دموع الحب، واحتاج الحال إلى تصوير منظر يجمع بينى والآنسة نجاة على فى قارب تتهادى بنا فى الماء فى أثناء حوار رقيق، يتضمن الحب العميق والغرام الأكيد، وفى الوقت نفسه نتبادل إنشاد ديالوج غنائى، نتمنى فيه أن يدوم ما نحن فيه من سعادة، وأن نعيش معًا فى النعيم العظيم والهناء المقيم.. وراح الأستاذ محمد كريم المخرج يبحث عن أصلح مكان لتصوير هذا المنظر، وهداه سعيه إلى ترعة بقرب السنبلاوين، لكن أين هى الفلوكة فى ترعة السنبلاوين، وكيف نحصل عليها هناك؟.. قررنا بعد تقليب الأمر على جميع وجوهه أن ننقل الفلوكة من القاهرة إلى السنبلاوين داخل سيارة لورى، وفى اليوم المحدد قامت السيارة إلى حيث أردنا، وامتطينا نحن سيارة أخرى، حيث قضينا الليل فى ضيافة مصطفى فودة بك بعزبته، على أن نقوم فى صباح اليوم التالى لتصوير المشهد المطلوب فى الترعة المختارة، وكنا فى شهر يونيو، وتصادف أن بلغت درجة الحرارة فى ذلك اليوم 42، أى أن الشمس كانت تلفح الوجوه وتكويها، ولم يكن المرء قادرًا حتى على البقاء فى الظل، أنا بطبعى لا أحتمل الحر حتى ولو كان عاديًا، ولا أطيق أخف ملبس، وكثيرًا ما يغمى علىّ من أثر الحر، كذلك أخاف الحشرات وأخشاها ما أمكن..

وصلنا إلى الترعة فى هذا الجو المؤذى، ويظهر أن القدر كان قاسيًا علىّ فلم يكتف بالشمس المحرقة، بل أضاف إليها طوائف من الحشرات، التى اتخذت من شاطئ الترعة مرتعًا تسرح فيه وتمرح، ودخل الرعب قلبى من هذه الحشرات، فنسيت كل شىء، وضاع من ذاكرتى الحوار، كما ضاع اللحن المعد للإلقاء، وانحصر تفكيرى فى الطرق، التى أتقى بها الحر والحشرات، ومع ذلك فقد كان واجبًا أن نواصل العمل حتى لا نضطر إلى البقاء فى السنبلاوين أيامًا أخرى، خصوصًا أن موعد قيامنا لأوروبا لإتمام الفيلم كان قد اقترب.

أعد كريم عدته، واحتللت ونجاة الفلوكة، وكان علىّ إلى جانب الاندماج فى الدور وإنشاد اللحن أن أجدف بالمجداف لتسيير القارب، وأنا بطبيعتى لم أعتد على ذلك، ولم تكن لدى دراية بالتجديف، فتخيل هذه العوامل كلها مجتمعة، وقدّر حرج الموقف المركز الذى أنا وقعت فيه، فبينما أصطلى حرارة الجو، وأقاوم الحشرات، وأمثل وأغنى جاءنى التجديف كذلك حملًا ثقيلًا، ونادى المنادى (وهو كريم) أن هيا، فأدار المصور ماكينته، وبدأت أؤدى واجباتى العديدة، التى قدمت لها شرحًا وجبرًا عنها، لكن هيهات هيهات، فالحر والجراد والتجديف فى الانتظار، وأعيد المنظر مرة وثانية وثالثة إلا أن النتيجة لم تكن لترضى المخرج أو ترضينى، وأخيرًا فكّر كريم أن يخفف عنى شيئًا من التعب، فاختار فريقًا من الفلاحين، يغوصون تحت الماء، ويدفعون القارب إلى السير، وكأننى أنا الذى أسيره، وذلك دون أن يرفعوا رؤوسهم فوق السطح حتى لا تلتقطهم عدسة المصور فيفسد المنظر، وبدأ كريم فى تنفيذ فكرته فخفّ بذلك عبء من أعبائى، وسار العمل والحمد لله سيرًا حثيثًا..

ولكن كان يحدث أن تطول مدة اختفاء الفلاحين تحت الماء، فتضيق أنفاسهم، ويضطر البعض منهم إلى رفع الرؤوس، ويفسد المنظر بطبيعة الحال من أوله إلى آخره، ويثور كريم، ثم يصب جام غضبه على الفلاحين المساكين، الذين كانوا سببًا فى هذا التعطل.. ويعاد المنظر فيجهد الفلاحون أنفسهم فى خنق أنفاسهم تحت الماء، إلا أن بعضهم لا يحتمل ذلك إلا لمدة معينة يضطرون بعدها إلى الظهور ثانية، فيتكرر الموال إياه سواء من كريم أو من الفلاحين، كل ذلك ونحن بين عاملى الضحك مما نرى، والقرف مما نقاسى.. وفى وسط هذا الجو المكهرب كان علينا أن نمثل مناظر الحب والهيام والوجد والغرام فتقول نجاة:

- إمتى نعيش سوا أنا وأنت فى نعيم..

وأرد عليها منشدًا: إحنا الإتنين فى نعيم..

وقد كان أثر هذا النعيم أن لازمت الفراش أيامًا، وذقت ثمراته التى أسأل الله أن لا يمتع بها صديقًا أو عدوًا»

انتهى حديث عبد الوهاب عن الفيلم، ونلاحظ أن هذه الأحداث التى وثّقها بالصور فى مذكراته الأولى لم يشر إليها فى ذكرياته عام 1954، وكل ما ذكره عن هذا المشهد هو أنه ألقى بنفسه بملابسه فى الماء خوفًا من الحشرات، وهى واقعة لم يذكرها فى مذكرات عام 1938.

 

كانت هذه نبذة، وجانب مما كتبه عبد الوهاب فى مذكراته المجهولة المنشورة عام 1938 فى مجلة «الإثنين».

 

عن نقابة السينما

logo 1
ولدت فكرت النقابة عندما بدأت دورات الكاميرا تتعطل عن السير وذلك على أثر انقطاع ورود الفلم الخام إلى المملكة المصرية . وبلغت الأزمة ذروتها عندما أعلنت الشركات السينمائية أسفها لتسريح فنانيها وعمالها لعدم استطاعة هذه الشركات مواصلة العمل وسيتبع ذلك بلا شك عطل لجميع الأيدي العاملة والرؤوس المفكرة والإنتاج السينمائي المحلي

جميع حقوق الملكية محفوظة لنقابة المهن السينمائية  ©2017

تصميم وتطوير : Mozinhom